في الوقت الذي تتنافس فيه نيروبي وكيب تاون ولاغوس وأكرا على لقب “وادي سيليكون الأفريقي”، تبدو مصر بامتيازاتها الحضارية والجغرافية والديموغرافية الهائلة مُقصِّرةً في استثمار مكانتها الطبيعية كقائدة للابتكار التقني في القارة. فبرغم حيازتها أكبر قاعدة للعلماء والمهندسين في أفريقيا، وأضخم سوق للإنترنت في المنطقة، وبنية تحتية رقمية في طور التطور المتسارع، يبدو المشهد الرياديّ المصري في التقنية أكثر تشتتاً وأقل تنظيماً مما تستحقه هذه الإمكانيات.

تكمن المشكلة في غياب رؤية واضحة متكاملة لجعل مصر مركزاً تقنياً أفريقياً ومحط استقطاب للشركات الناشئة القادمة من مختلف أنحاء القارة. كينيا استطاعت أن تُوظّف منافذها المالية الرقمية لتتحول إلى نموذج يُدرَّس في جامعات العالم. نيجيريا بسوقها الهائل تُنتج يونيكورنات تقنية تتنافس في الأسواق العالمية. أما مصر، فرغم توافر الكوادر البشرية والبنية التحتية، فإنها لا تزال تفتقر إلى النظام البيئي المتكامل الذي يحوّل الموهبة الفردية إلى مشاريع تقنية ذات حجم وأثر قاريّ.

ما يُعيق مصر عن قيادة الموجة الأفريقية للابتكار ليس شُح المواهب، بل هو تشابك ثلاثة عوائق بنيوية: بيروقراطية تنظيمية ثقيلة تُرهق الشركات الناشئة في مراحلها الأولى، وغياب ثقافة الاستثمار في المخاطر لدى المؤسسات المالية المصرية التي تُفضّل التمويل العقاري التقليدي على رأس المال المغامر، وضعف الشبكات الربطية التي تُوصل المطورين المصريين بشركائهم الأفارقة وبالأسواق الأفريقية الواعدة. هذه العوائق ليست قضاء وقدراً، بل هي مشاكل يمكن حلّها بإرادة سياسية واضحة.

في نظري، ثمة ثلاثة إجراءات يمكنها إحداث تحول حقيقي: أولاً، إنشاء منطقة حرة للتقنية في العاصمة الإدارية تمنح الشركات الأفريقية الناشئة مزايا تسجيل استثنائية وبنية تحتية مدعومة. ثانياً، تطوير صندوق استثمار حكومي لرأس المال المغامر يستهدف الشركات التقنية الأفريقية التي تتخذ من مصر قاعدة للتوسع القاري. ثالثاً، إطلاق منصة رقمية قارية لتبادل الخدمات التقنية بين المطورين في مختلف الدول الأفريقية، تكون مصر مُطوّرتها ومُشغّلتها.

القارة الأفريقية تشهد في العقد القادم أعظم موجة لإدراج سكانها في الاقتصاد الرقمي في تاريخ البشرية؛ مئات الملايين من الشباب الأفريقي سيدخلون عالم الإنترنت والتجارة الرقمية والتعليم الإلكتروني لأول مرة في الوقت ذاته. مصر أمام خيارين: أن تقود هذه الموجة وتُشكّل بنيتها التحتية وأدواتها الرقمية، أو أن تظل مستهلكاً للأدوات التي طورتها شركات من خارج القارة. هذه الفرصة التاريخية لن تنتظر.