ثمة مفارقة مؤلمة يعيشها الاقتصاد المصري يومياً: معدل بطالة الشباب يتجاوز 26% في الوقت الذي تُعلن فيه الشركات الدولية والمحلية في مصر عن آلاف الوظائف الشاغرة التي تعجز عن شغلها بسبب شُح الكفاءات المتخصصة. هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية بل هي شهادة دامغة على إخفاق منظومي متراكم في التعليم والتدريب المهني وسياسات سوق العمل التي يجب أن نواجهها بصراحة تامة بدلاً من الاكتفاء بالشعارات والمبادرات المتكررة.

الجامعات المصرية تُخرج سنوياً ما يزيد على 700 ألف خريج، يبحث غالبيتهم عن وظائف حكومية لا توجد أو وظائف في القطاع الخاص لا يمتلكون المهارات الكافية لشغلها. فجوة المهارات ليست قاصرة على التخصصات التقنية والرقمية فحسب، بل تمتد لتشمل مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات والتفكير النقدي التي تُمثّل اليوم أكثر المؤهلات طلباً في سوق العمل العالمي. حين نُقارن مناهجنا الجامعية بنظيراتها في كوريا الجنوبية أو فنلندا، يتضح لنا حجم الهوّة التي تفصل مخرجاتنا التعليمية عن متطلبات الاقتصاد الرقمي المعاصر.

أما التعليم المهني والتقني، الذي يُمثّل في البلدان المتقدمة العمود الفقري لسوق العمل الإنتاجي، فلا يزال في مصر وصمة اجتماعية يتهرب منها الآباء والطلاب على حدٍّ سواء. هذا التحيّز الثقافي العميق نحو التعليم الجامعي النظري على حساب التعليم المهني التطبيقي يُكلّف الاقتصاد مليارات الجنيهات سنوياً في شكل بطالة متعلمة وفجوة إنتاجية مستمرة. وما لم تشترك الحكومة والقطاع الخاص والإعلام في تغيير هذه النظرة الاجتماعية القاصرة، ستظل مبادرات تطوير التعليم المهني قاصرة عن تحقيق أهدافها.

الحل ليس في إطلاق مزيد من المبادرات والبرامج التدريبية الموسمية، بل في إعادة هيكلة جذرية لمنظومة التعليم والتدريب برمّتها وفق رؤية استراتيجية عشرية تضم أطرافاً فعليين من القطاع الخاص المُنتج في تصميمها وتمويلها وتقييمها. وتحتاج مصر بشكل عاجل إلى قانون تدريب مهني مُحكم يُلزم الشركات الكبرى بنسب تدريب محددة في مقابل حوافز ضريبية حقيقية، ومنظومة اعتماد وطنية للمهارات تُوازي في أهميتها الشهادات الأكاديمية التقليدية.

خسارة جيل كامل من الشباب المصري المتعلم في متاهة البطالة والعمل غير اللائق ستترتب عليها تكاليف اجتماعية واقتصادية وأمنية هائلة ستظل تُلقي بظلالها على مصر لعقود. الأمر لا يحتمل مزيداً من التسويف والدراسات والمؤتمرات الشكلية؛ ما نحتاجه الآن هو إرادة سياسية حقيقية وقرارات جريئة تضع الشباب المصري في قلب أولويات الدولة الاستراتيجية، لا على هامشها.